عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
36
معارج التفكر ودقائق التدبر
ثمّ صار دعاتهم إلى الضّلال ، يعرضون هذه المقالة بأسلوب فيه مزيد خداع دعائيّ ، إبّان نزول سورة ( سبإ / 58 نزول ) قائلين في تضليلهم لمن يستمع إليهم قولا مقرونا بالسّخرية والاستهزاء : * . . هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ( 7 ) أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ . . . ( 8 ) : * مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ : أي : جزّئتم وفرّقتم غاية التّجزئة والتّفريق في تراب الأرض . « ممزّق » ، مصدر ميميّ للتّمزيق . يقال لغة : « مزّق الشّيء ، تمزيقا ، وممزّقا » أي : بالغ في تجزئته وتفريق بعضه عن بعض . كُلَّ مُمَزَّقٍ : أي : كلّ تمزيق يمكن أن يحصل فيه ، والمعنى : إذا مزّقتم تمزيقا كلّ تمزيق ، لا بعض تمزيق . فلفظ « كلّ » نائب عن مفعول مطلق . إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ : أي : إنّكم لتخلقون خلقا جديدا ، تكون لكم فيه حياة أخرى بعد الموت والفناء . إنّ مضمون عبارتهم الجديدة ، المفخّمة المنفوخة بأسلوب إعلاميّ ، لا يختلف عن مضمون قولهم السّابق ، فلا شيء فيه يستدعي مناظرة فكريّة ، ولا يتضمّن شبهة جديدة تتطلّب بيانا إقناعيّا يزيلها ويكشف الحقّ بجلاء ، وقد سبق في نجوم التّنزيل البيان الإقناعيّ المقرون بالبرهان . وللإشعار بأنّ مقولتهم القائمة على مجرّد التّعجّب والاستغراب ، مقولة صارت مقبولة لدى المستمعين إليهم ، بنوا عليها قولهم في شتيمة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم : * أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ : الجنّة : الجنون .